فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق}.
لما ذكر تعالى أنه إلى جزائه يحشر العالم وهو منتهى ما يؤول إليه أمرهم ذكر مبتدأ وجود العالم واختراعه له بالحق أي بما هو حق لا عبث فيه ولا هو باطل أي لم يخلقهما باطلًا ولا عبثًا بل صدرا عن حكمة وصواب وليستدل بهما على وجود الصانع إذ هذه المخلوقات العظيمة الظاهر عليها سمات الحدوث لابد لها من محدث واحد عالم قادر مريد سبحانه وعلا.
وقيل: معنى {بالحق} بكلامه في قوله للمخلوقات {كن} وفي قوله: {ائتيا طوعًا أو كرهًا} والمراد في هذا ونحوه إنما هو إظهار انفعال ما يريد تعالى أن يفعله وإبرازه للوجود بسرعة وتنزيله منزلة ما يؤمر فيمتثل.
{ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} جوزوا في {يوم} أن يكون معمولًا لمفعول فعل محذوف وقدروه واذكر الإعادة يوم يقول: كن أي يوم يقول للأجساد كن معادة ويتم الكلام عند قوله: {كن}، ثم أخبر بأنه يكون قوله الحق الذي كان في الدنيا إخبارًا بالإعادة فيكون قوله فاعلًا بفيكون أو يتم الكلام عند قوله: {كن فيكون} ويكون {قوله الحق} مبتدأ وخبرًا.
وقال الزجاج {يوم يقول} معطوف على الضمير من قوله: {واتقوه} أي واتقوا عقابه والشدائد ويوم فيكون انتصابه على أنه مفعول به لا ظرف.
وقيل: {ويوم} معطوف على {السموات والأرض} والعامل فيه خلق، وقيل: العامل اذكر أو معطوفًا على قوله: {بالحق} إذ هو في موضع نصب ويكون {يِقُول} بمعنى الماضي كأنه قال وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم قال لها كن ويتم الكلام عند قوله: {فيكون}، ويكون {قوله الحق} مبتدأً وخبرًا أو يتم عند {كن} ويبتدئ {فيكون قوله الحق} أي يظهر ما يظهر وفاعل يكون {قوله} و{الحق} صفة و{يكون} تامة وهذه الأعاريب كلها بعيدة ينبو عنها التركيب وأقرب ما قيل ما قاله الزمخشري وهو أن {قوله الحق} مبتدأ {والحق} صفة له و{يوم يقول} خبر المبتدأ فيتعلق بمسْتقر كما تقول يوم الجمعة القتال واليوم بمعنى الحين والمعنى أنه خلق السموات والأرض قائمًا بالحق والحكمة وحين يقول للشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة أي لا يكون شيء من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب، وجوز الزمخشري وجهًا آخر وهو أن يكون {قوله الحق} فاعلًا بقوله: {فيكون} فانتصاب {يوم} بمحذوف دل عليه قوله: {بالحق} كأنه قيل: كن يوم بالحق وهذا إعراب متكلف.
{وله الملك يوم ينفخ في الصور} قيل {يوم} بدل من قوله: {ويوم يقول}، وقيل: منصوب بالملك وتخصيصه بذلك اليوم كتخصيصه بقوله: {لمن الملك اليوم} وبقوله: {والأمر يومئذ لله} وفائدته الإخبار بانفراده بالملك حين لا يمكن أن يدعي فيه ملك، وقيل هو في موضع نصب على الحال وذو الحال الملك والعامل له، وقيل هو في موضع الخبر لقوله: {قوله الحق} أي يوم ينفخ في الصور، وقيل ظرف لقوله: {تحشرون} أو ليقول أو لعالم الغيب والشهادة.
وقرأ الحسن {في الصور} وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض ويؤيد تأويل من تأوله أن الصور جمع صورة كثومة وثوم والظاهر أن ثم نفخًا حقيقة، وقيل: هو عبارة عن قيام الساعة ونفاد الدنيا واستعارة.
وروي عن عبد الوارث عن أبي عمرو ننفخ بنون العظمة.
{عالم الغيب والشهادة} أي هو عالم أو مبتدأ على تقدير من النافخ أو فاعل بيقول أو بينفخ محذوفة يدل عليه ينفخ نحو رجال بعد قوله: {يسبح} بفتح الباء وشركاؤهم بعد {زين} مبنيًا للمفعول ورفع قتل ونحو ضارع لخصومة بعد ليبكِ يزيد التقدير يسبح له رجال وزينه شركاؤهم ويبكيه ضارع أو نعت للذي أقوال أجودها الأول والغيب والشهادة يعمان جميع الموجودات، وقرأ الأعمش {عالم} بالخفض ووجه على أنه بدل من الضمير في له أو من رب العالمين أو نعت للضمير في {له}، والأجود الأول لبعد المبدل منه في الثاني وكون الضمير الغائب يوصف وليس مذهب الجمهور إنما أجازه الكسائي وحده.
{وهو الحكيم الخبير} لما ذكر خلق الخلق وسرعة إيجاده لما يشاء وتضمن البعث إفناءهم قبل ذلك ناسب ذكر الوصف بالحكيم ولما ذكر أنه عالم الغيب والشهادة ناسب ذكر الوصف بالخبير إذ هي صفة تدل على علم ما لطف إدراكه من الأشياء. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَهُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض}.
أُريد بخلقهما خلقُ ما فيهما أيضًا، وعدمُ التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العُلويات والسُفليات، وقوله تعالى: {بالحق} متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعل {خلق} أو من مفعوله، أو صفةٌ لمصدرِه المؤكِّد له أي قائمًا بالحق أو متلبِّسًا بالحق أو متلبسًا به. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق} استئنافٌ لبيانِ أنّ خلقَه تعالى لما ذَكر من السمواتِ والأرض ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلًا وأن ذلك الأمرَ المتعلِّقَ بكل فردٍ فردٌ من أفراد المخلوقات في حينٍ معينٍ من أفراد الأحيان حقٌّ في نفسه متضمنٌ للحكمة، {ويومَ} ظرفٌ لمضمون جملةِ {قولُه الحقُّ} والواو بحسب المعنى داخلٌ عليها وتقديمُه عليها للاعتناءِ به من حيث إنه مدارُ الحقّيةِ، وتركُ ذكرِ المقولِ له للثقةِ بغاية ظهوره، والمرادُ بالقول كلمةُ {كن} تحقيقًا أو تمثيلًا كما هو المشهورُ فالمعنى وأمرُه المتعلقُ بكل شيءٍ يريد خلقَه من الأشياء في حينِ تعلّقِه به لا قبلَه ولا بعده من أفراد الأحيان الحقُّ أي المشهودُ له بالحقّية المعروفُ بها، هذا وقد قيل: {قوله} مبتدأ و{الحق} صفتُه و{يوم يقول} خبرُه مقدمًا عليخ كقولك: يومَ الجمعةِ القتالُ وانتصابه بمعنى الاستقرار.
وحاصلُ المعنى قولُه الحقُّ كائنٌ حينَ يقول لشيءٍ من الأشياء كنْ فيكونُ ذلك الشيءُ، وقيل: يوم منصوبٌ بالعطف على السمواتِ أو على الضمير في {واتقوه} أو بمحذوف دل عليه {بالحق} وقوله الحق مبتدأ وخبر، أو فاعلُ {يكون} على معنى حين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحقِّ كن فيكون، والمرادُ حين يكوِّن الأشياءَ ويُحدِثُها أو حين تقومُ القيامةُ فيكونُ التكوينُ حشرَ الأجساد وإحياءَها فتأملْ حقَّ التأمل.
{وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ في الصور} تقييدُ اختصاصِ المُلك به تعالى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ المجازيةِ الكائنةِ في الدنيا، المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة كقوله تعالى: {لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار}.
{عالم الغيب والشهادة} أي هو عالمُهما {وَهُوَ الحكيم} في كلِّ ما يفعله {الخبير} بجميعِ الأمور الجليّة والخفيّة. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَهُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض} أي هذين الأمرين العظيمين.
ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضًا، وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات.
وقوله سبحانه: {بالحق} متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل {خُلِقَ} أي قائمًا بالحق، ومعنى الآية حينئذ كما قيل كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا} [ص: 27] وجوز أن يكون حالًا من المفعول أي متلبسة بالحق، وأن يكون صفة لمصدر الفعل المؤكد أي خلقًا متلبسًا بالحق.
{وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق} تذييل لما تقدم؛ والواو للاستئناف.
واليوم بمعنى الحين متعلق بمحذوف وقع خبرًا مقدمًا و{قَوْلُهُ} مبتدأ و{الحق} صفته، والمراد بالقول المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أي وقضاؤه سبحانه المعروف بالحقية كائن حين يقول سبحانه لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء وتقديم الخبر للاهتمام بعموم الوقت كما قيل، ونفى السعد كونه للحصر لعدم مناسبته وجعل التقديم لكونه الاستعمال الشائع.
وتعقب بأن المعروف الشائع تقديم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة غير موصوفة أو نكرة موصوفة أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد.
وقيل: إن {قَوْلُهُ الحق} مبتدأ وخبر و{يَوْمٍ} ظرف لمضمون الجملة والواو بحسب المعنى داخلة عليها والتقديم للاعتناء به من حيث إنه مدار الحقية، وترك ذكر المقول له للثقة بغاية ظهوره.
والمراد بالقول كلمة {كُنَّ} تحقيقًا أو تمثيلًا.
والمعنى وأمره سبحانه المتعلق بكل شيء يريد خلقه من الأشياء حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي المشهود له بالحقية، وقيل: إن الواو للعطف و{يَوْمٍ} إما معطوف على {السموات} فهو مفعول لخلق مثله، والمراد به يوم الحشر أي وهو الذي أوجد السموات والأرض وما فيهما وأوجد يوم الحشر والمعاد، وإما على الهاء في {اتقوه} [الأنعام: 72] فهو مفعول به مثله أيضًا، والكلام على حذف مضاف أي اتقوا الله تعالى واتقوا هول ذلك اليوم وعقابه فزعه.
وإما متعلق بمحذوف دل عليه {ءادَمَ بالحق} أي يقوم بالحق يوم الخ، وهو إعراب متكلف كما قال أبو حيان.
وقيل: إنه معطوف على {بالحق} وهو ظرف لخلق أي خلق السموات والأرض بعظمها حين قال كن فكان.
والتعبير بصيغة الماضي احضار للأمر البديع.
وفيه أنه يتوقف على صحة عطف الظرف على الحال بناء على أن الحال ظرف في المعنى وهو تكلف.
و{قَوْلُهُ الحق} مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون.
والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين يقوم القيامة فيكون التكوين إحياء الأموات للحشر وقيل غير ذلك فتدبر.
{وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ في الصور} أي استقر الملك له في ذلك اليوم صورة ومعنى بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا المصححة للمالكية في الجملة فلا يدعيه غيره بوجه.
والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث والله تعالى أعلم بحقيقته.
وقد فصلت أحواله في كتب السنة.
وصاحبه إسرافيل عليه السلام على المشهور.
وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا أن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان.
وقرأ قتادة {في الصور} جمع صورة والمراد بها الأبدان التي تقوم بعد نفخ الروح فيها لرب العالمين.
{عالم الغيب والشهادة} أي كل غيب وشهادة {وَهُوَ الحكيم} في كل ما يفعله {الخبير} بجميع الأمور الخفية والجلية.
والجملة تذييل لما تقدم وفيه لف ونشر مرتب هذا. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وجملة: {وهو الذي خلق السماوات} عطف على {وهو الذي إليه تحشرون}، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة.
فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنَّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون} [النحل: 17].
والباء من قوله: {بالحقّ} للملابسة، والمجرور متعلّق بـ {خلَق} أو في موضع الحال من الضمير.
والحقّ في الأصل مصدر (حقّ) إذا ثبت، ثم صار اسمًا للأمر الثاتب الذي لا يُنكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عَدْل.
والحقّ ضدّ الباطل.
فالباطل اسم لضدّ ما يسمَّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقًا شائعًا على الفعل أو القول الذي هو عَدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه، وهو حينئذٍ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادفُ الجَور والظلم، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب، ويرادف الحكمة والحقيقة، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعبَ.
والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني، كما في قوله تعالى: {ما خلقناهما إلاّ بالحقّ} [الدخان: 39] بعد قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} [الدخان: 38] وكقوله: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلًا} [آل عمران: 191].
فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهنّ من العَدم إلى الوجود لِحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قُوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتَّبها على نُظم عجيبة تحفظ أنواعها وتُبرز ما خُلقت لأجله، وأعظمها خَلق الإنسان وخَلْق العقل فيه والعلم، وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصانًا من الحقّ الذي خُلقت السماوات والأرض ملابِسة له، فعُقّب بقوله: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ}.